المنجي بوسنينة

808

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ولكنه لم يشد فيما نعلم بأصحاب ابن خلدون ، ربما لأن مجال اهتمام الثعالبي لم يكن هو مجال اهتمام ابن خلدون وأصحابه . ومهما كان الأمر فإن الثعالبي تتلمذ في تونس على عيسى الغبريني ، ومحمد الأبي ، وأبي القاسم البرزلي ، ويعقوب الزغبي . وقد ذكر أن عمدته من هؤلاء هو محمد الأبي . والمعروف في كتب التراجم أن هؤلاء كانوا من كبار المدرسين في العهد الحفصي ، وقد أخذ عن الإمام البرزلي ( ت 842 ه ) صحيح البخاري . وكان البرزلي يتمتع بشهرة واسعة في الفقه بعد تدوينه للكثير من النوازل أو الفتاوي الشرعية . ويبدو أن الثعالبي قد أطال الإقامة في تونس قبل أن يرحل إلى الشرق لأداء فريضة الحج وطلب العلم . والجدير بالذكر أنه لم يذكر من شيوخ المشرق إلا من تلقى عليهم في مصر ، وهم : البلالي الذي أخذ عنه صحيح البخاري ومختصر كتاب الإحياء للغزالي ، كما حضر دروس ولي الدين العراقي في الحديث ، ونال منه الإجازة . وعند رجوعه إلى بلاده توقف الثعالبي بتونس من جديد فوجد تغييرا هاما قد حصل في أسرة شيوخ العلم ، فقد حل محمد القلشاني محل الغبريني الذي أدركته الوفاة ، فلازم الثعالبي الشيخ القلشاني . ومع ذلك افتخر الثعالبي بنفسه فقال إنه لم يكن في تونس عندئذ من يفوقه في علم الحديث حتى أنهم جميعا أنصتوا له واعترفوا بفضله في هذا الميدان ، وأن بعض المغاربة ( ربما يعني من مراكش ) قال له بعد رجوعه من المشرق : إنك أصبحت آية في علم الحديث . وخلال إقامة الثعالبي الثانية بتونس حل بها الشيخ محمد بن مرزوق الحفيد سنة 819 ه فأخذ عن الثعالبي كثيرا من العلوم ، منها كتاب الموطأ للإمام مالك ، وحصل منه على الإجازة ، كما حصل على الإذن بالتدريس منه ومن الشيخ الأبي ، ونفهم من سياق حديث الثعالبي عن نفسه ورحلته أنه ظل عشر سنوات على الأقل خارج وطنه في طلب العلم وأداء فريضة الحج . تلك هي مسيرة الثعالبي في تحصيل العلم على شيوخ من المغرب والمشرق ، فمن هم تلاميذه ؟ لقد جلس الثعالبي للتدريس والتأليف في مدينة الجزائر ، واشتهر أمره بين طلبة الوقت على أنه آية في علم الحديث والتفسير والفقه وسائر علوم الدين ، ولم يكن في مدينة الجزائر مركز علمي على غرار الزيتونة ، وإنما كانت مراكز العلم فيها مبعثرة عبر القطر من تلمسان إلى بجاية ، ولم تكن مدينة الجزائر نفسها تتميز بأية ميزة علمية في وقته ، فقد كانت مدينة ساحلية صغيرة فيها بعض المساجد للصلاة والعبادة مثل الجامع الكبير الذي يرجع بنيانه إلى عهد المرابطين ، وفيها نشاط تجاري ملحوظ لأن مرساها كان ملتقى السفن الإيطالية والإسلامية . فأين يقع علم الثعالبي من كل ذلك ؟ يبدو أن طلابه لم يأتوه من مدينة الجزائر ولا من جوارها أو على الأقل لم يشتهر منهم سوى واحد هو أحمد بن عبد الله الجزائري ( هكذا نسبته ) الذي اشتهر بمنظومته « الجزائرية » في العقائد ، وما عداه لا نجد للثعالبي تلاميذ من متيجة أو من المديّة أو حتى من بجاية ، وإنما تلاميذ من تلمسان التي كانت عاصمة تستقطب العلماء وتحمل تلاميذها على البحث عنهم في غيرها . فقد ورد عليه عدد من طلبتها مثل محمد بن يوسف السنوسي الذي اشتهر أيضا بالزهد والتأليف في العقائد وغيرها ، ومثل أخيه لأمه محمد